حملة الترحيل الأمريكية تدفع أطفال عائلات مهاجرة إلى العزلة والتعليم عن بعد
حملة الترحيل الأمريكية تدفع أطفال عائلات مهاجرة إلى العزلة والتعليم عن بعد
في شقة متواضعة بمدينة مينيابوليس الأمريكية، تحولت طاولة الطعام إلى فصل دراسي، وغرفة المعيشة إلى مساحة انتظار طويلة لا تنتهي، منذ نحو شهر لم يغادر الأطفال إزميرالدا وكيفن وكارلوس المنزل، بعدما قررت عائلتهم إبقاءهم في الداخل خوفاً من حملات الترحيل التي تنفذها سلطات الهجرة. أصبحت الشقة عالماً مغلقاً يعيش فيه الأطفال بين الدروس على الشاشة والقلق الذي يملأ الأجواء.
وبحسب ما ذكرته وكالة فرانس برس السبت، يعيش عدد متزايد من الأطفال المهاجرين في مينيابوليس تجربة مشابهة، إذ بات التعليم عن بعد الخيار الوحيد بعد أن توقفت المدارس عن تقديمه منذ انتهاء جائحة كوفيد 19، إلا أن الخوف من الاعتقال والترحيل أعاد هذا الخيار إلى الواجهة بالنسبة لعائلات تخشى مجرد خروج أبنائها إلى الشارع أو المدرسة.
أيام بلا مدرسة
كيفن البالغ 12 عاماً يقول إنه لا يغادر سوى الممر الضيق خارج شقتهم في الطابق نفسه، يكتفي بذلك بوصفه أقصى حدود حركته اليومية، أما شقيقته إزميرالدا البالغة 15 عاماً فتجلس لساعات أمام الكمبيوتر تتنقل بين الحصص والواجبات، في حين تصف حياتهم الجديدة بأنها غريبة ومرهقة ومملة.
تبدأ يومياتهم مع الدروس عبر الإنترنت، ثم استراحة قصيرة لتناول الغداء، قبل العودة إلى الشاشة مجدداً، لا فناء مدرسة ولا لقاءات مع الأصدقاء ولا ضحكات في الممرات، حتى التواصل مع زملائهم بات عبر الفيديو فقط، وهو ما يصفه كيفن بأنه مختلف تماماً عن اللقاء وجهاً لوجه.
كارلوس الأصغر بينهم يتذكر أيام المدرسة حين كان يستطيع اللعب في الحديقة خلال الفسحة، الآن يكتفي بالنظر من نافذة الشقة، في حين يكرر مع إخوته الروتين نفسه كل يوم.
قرار العائلة بعد مداهمة المدرسة
قبل نحو شهر داهمت عناصر من شرطة الهجرة مدرسة إزميرالدا الثانوية في مينيابوليس، بعد ذلك قررت والدتهم أبريل منع أطفالها من الخروج تماماً، لا تعرف متى سيتمكنون من العودة إلى حياتهم الطبيعية أو إلى مقاعد الدراسة.
العائلة وصلت إلى الولايات المتحدة من المكسيك قبل نحو عام ونصف لطلب اللجوء، ولا تزال تنتظر البت في ملفها، غير أن مراجعة إدارة الرئيس دونالد ترامب للوضع القانوني لنحو 5600 لاجئ في ولاية مينيسوتا ممن لم يحصلوا بعد على الإقامة الدائمة زادت المخاوف داخل المجتمعات المهاجرة.
وفي أواخر يناير أصدر قاضٍ فدرالي أمراً مؤقتاً يمنع احتجاز اللاجئين الذين ينتظرون الحصول على الإقامة الدائمة في الولاية، لكن ذلك لم يبدد المخاوف لدى العائلات المهاجرة التي تخشى الاعتقال المفاجئ.
الخوف داخل الجدران
الوالدان أبريل وريغوبيرتو يعيشان حالة توتر دائم، فالأب، وهو ميكانيكي، توقف عن الذهاب إلى ورشته منذ أكثر من شهر رغم قربها من المنزل، أما الأم التي تعمل في تنظيف المنازل، فلم تغادر الشقة منذ الثالث من ديسمبر.
تقول أبريل إنها تسهر أحياناً حتى الفجر من شدة القلق، الستائر بقيت مغلقة خمسة أسابيع متواصلة، ولا تخرج حتى لرمي القمامة، وأحد الجيران يتكفل بإحضار البقالة للأسرة بعدما توقف دخل الوالدين.
داخل الشقة، يسأل الأطفال أسئلة يصعب الإجابة عنها، لماذا نختبئ إذا لم نرتكب ذنباً، إلى متى سنبقى هنا، أسئلة يكررها الأبناء في حين يعجز الوالدان عن تقديم إجابات مطمئنة.
عندما يسمعون عن وجود عناصر الهجرة في الحي، تطفئ الأم التلفاز وتطلب من أطفالها التزام الصمت، تقول إنهم لا يسمحون لهم حتى بالضحك خوفاً من لفت الانتباه.
حياة معلقة على الخوف
يشعر ريغوبيرتو بثقل العجز عن تأمين احتياجات أسرته، يقول إن أصعب ما يواجهه هو عدم القدرة على العمل أو الخروج لتأمين لقمة العيش، ومع أنه يعتقد أنهم سيغادرون المنزل يوماً ما، فإنه يقر بأن الحياة لن تعود كما كانت.
تقول أبريل إن أكثر ما تفتقده هو الذهاب إلى الكنيسة، أو الخروج مع أطفالها لتناول المثلجات، تفاصيل صغيرة كانت عادية في السابق، لكنها تحولت الآن إلى أحلام مؤجلة.
شهدت الولايات المتحدة منذ أواخر 2025 تصعيداً في سياسات الهجرة مع توسيع حملات المراجعة والترحيل، ما أدى إلى انتشار عناصر إنفاذ قوانين الهجرة في عدد من المدن، بينها مينيابوليس في ولاية مينيسوتا، وتخشى آلاف العائلات المهاجرة، خصوصاً طالبي اللجوء الذين لم يحصلوا بعد على الإقامة الدائمة، من الاعتقال أو الترحيل المفاجئ، ويشير خبراء إلى أن هذه السياسات انعكست مباشرة على الأطفال، حيث ازداد الغياب المدرسي بين أبناء المهاجرين، واضطرت بعض العائلات إلى العزلة داخل منازلها أو اللجوء إلى التعليم عن بعد رغم توقفه رسمياً في المدارس، وتقول منظمات حقوقية إن هذه الأوضاع تترك آثاراً نفسية عميقة في الأطفال، وتزيد من هشاشة العائلات اقتصادياً واجتماعياً، في وقت لا تزال فيه قضايا اللجوء والهجرة تمثل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الأمريكية.











